محبة الله "الولي " سبحانه: -
إن التعبد باسمه "الولي" يقتضي محبته والتأله له، وأن يبذل العبد له خالص المحبة وصفو الوداد، بحيث يسيح القلب في رياض معرفته، وميادين جماله، ويبتهج بما يحصل له من آثار جماله وكماله، فإن الله ذو الجلال والإكرام، فالإيمان بأن الله هو "الولي" يثمر:
محبته -عز وجل –
ولايته في المحبة والتوفيق والنصرة، فهي بهذا المعنى خاصة بالمؤمنين المتقين، وهي بهذا المعنى تثمر في قلوب أولياء الله الطمأنينة والثقة في نصرته -سبحانه -وكفايته وصدق التوكل عليه سبحانه قال الله -عز وجل:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾[محمد 11] وهذا يثمر: اليقين بذهاب الكفار وقطع دابرهم وإن ظهروا في وقت ما لحكمة فنهايتهم إلى ذهاب لأنهم مقطوعو الصلة بالله عز وجل
التعبد باسمه تعالى "الولي": -
كان من هديه ﷺ أن يتعبد الله بذكر هذا الاسم والتعلق بمقتضاه، وفي البخاري أن النبي ﷺ أمر الصحابة حينما قال لهم أبو سفيان: لنا العُزى ولا عُزى لكم، فقال ﷺ: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم»
وكان من أذكاره ﷺ عند نومه أن يتوجه إلى ربه بمقتضى هذا الاسم، فكان يقول: «اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت»، قال ﷺ: «فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به».
وكما أن التعبد بهذا الاسم، فالمسلم المحب لنبيه ﷺ يحرص أيضا على التعبد الله تعالى بهذا الاسم من خلال:
التوسل لله تعالى بهذا الاسم الكريم: -
كما دعا يوسف عليه السلام الدعاء، يقول تعالى:﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾[يوسف 101]، وكما دعا موسى عليه السلام: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾[الأعراف 155]، ومن دعاء المؤمنين أن يتولاهم الله بولايته:﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة 286].
ومن دعاء النبي ﷺ متوسلاً بهذا الاسم عن أنس رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يقول: «يا ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام – وفي رواية ثبتني -حتى ألقاك عليه».
وما رواه زيد بن أرقم: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: «اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من العجزِ والكسلِ والجُبنِ والبُخلِ والهمِّ وعذابِ القبرِ وفتنةِ الدجَّالِ اللهم آتِ نفسي تقواها أنت خيرُ مَن زكَّاها أنت وليُّها ومولاها أعوذُ بك من قلبٍ لا يخشعُ وعلمٍ لا ينفعُ ودُعاءٍ لا يُسمعُ أو قال دعوةٍ لا يُستجابُ لها».
وعن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر:" اللهم اهدنا فيما هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت".
القيام بما يقتضيه هذا الاسم ومن ذلك:
الازدياد من الإيمان وتقوية جانبه في النفوس، قال تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾[محمد 11].
الإكثار من العمل الصالح ليدخل في ولاية الله، يقول تعالى:﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾[الأنعام 127].
وفي حديث الولي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: [{[من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه]}]، أي يحفظه ويسدده في جوارحه ويتولاه بمعيته الخاصة.
الاعتصام بأمر الله ولزوم شرعه قال تعالى:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾[الحج 78]، قال ابن القيم رحمه الله: "أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد إليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله"[مدارج السالكين 1/180]
الشعور بآثار هذا الاسم عند تحصيل ما أمر الله به مما سبق، فيستشعر:
الطمأنينة والراحة النفسية؛ لأنه ممن تولاه الله، يقول الله:﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾[التوبة 51].
الوثوق بروح الله ونصره للمؤمنين، مهما تداهمت الكروب، يقول تعالى:﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾[آل عمران 122]
ألا يخاف من أعداء الله مهما كان عددهم وعدتهم، يقول الملك:﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾[آل عمران 175]
الحذر مما ينافي تولي الله تعالى والمؤمنين، ومن ذلك:
أن يتبع غير منهاج الله ويعتز بغير شرعه، قال تعالى:﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾[البقرة 120].
أن يتولى أعداء الدين فيحبهم وينصرهم على المؤمنين، قال الله:﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ﴾[آل عمران 28]
أن يصر على السيئات ولا يحدث للذنوب توبة، قال جل شأنه:﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ﴾[النساء 123].
التخلق بأخلاق الولاية للمؤمنين والتبرأ من كل من سواهم: -
فيتخلق المسلم بأخلاق الولاية لكل مؤمن، فيتولى أولياء الله، وعلى قدر ولاية العبد لله تكون ولايته له، كما قال تعالى:﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾[المائدة 55]، وتكون لهم المحبة والأخوة والنصرة للمؤمنين حيثما كانوا، قال الله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴾[النساء 75].
وإنما يتولى المؤمن المؤمنين بالتزام توجيه الله في مثل هذه الآية الكريمة، قال الله:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾هذا هو همهم﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾هذا هو عملهم﴿ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾هذا هو منهجهم﴿ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[التوبة 71].
وليتولى المؤمن إخوانه فليحرص على الإحسان إليهم ومعاملتهم بالجميل، يقول الملك: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾[فصلت 34]، وفي حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله»، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: «هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ الآية: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾».
وفي المقابل فإن المؤمن يتبرأ من كل الولاءات لغير لله ويتبرأ من كل الروابط إذا خالفت الدين:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[التوبة 23]، وفي الحديث المتفق عليه عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها»
تقوية أمر توحيد الله في النفوس، وتعظيم مقام إفراد الله عز وجل بالتوجه والوجهة: -
ومن هنا تتقرر جوانب لتقوية التوحيد والإيمان بالله من خلال هذا الاسم تتمثل في عدة جوانب، فيخاف المؤمن أن يتولاه غير مولاه وخالقه فيهلك ويخسر دنياه وأخراه:﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾[الأنعام 51]، فدلائل ولاية الله وتوليه لعباده في نفس المؤمن وفيما يرى في ملكوت سبحانه كثيرة تزيد إيمانه وتوليه لربه وكفره بمن سواه:﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾[الرعد 16].
يقين العبد المؤمن بهذا الاسم تحقيق للاستعانة بالله: -
فإذا تحقق العبد بهذا الاسم، فإنه يرى الله عز وجل الأحق على الإطلاق بالاستعانة والاستكانة، وبالاعتماد والتُّكلان، فلا يقع في قلبه من الأسباب شيء على كثرة أخذه بها وكماله في ذلك بحسب قدرته، بل يكون في قلبه التعلق بالله عز وجل، إضافة إلى ما في أخذه لها من نية الطاعة له سبحانه، لأنه هو الذي أمره بهذا الأخذ.